العيني
61
عمدة القاري
تلا النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عنده علم الساعة ) الآية . قوله : ( مفتاح الغيب ) وفي رواية الكشميهني ( مفاتح الغيب ) ، ذكر الطبراني أن : المفاتيح جمع مفتاح ، والمفاتح جمع مفتح ، وهما في الأصل كل ما يتوسل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها ، وهو إما استعارة مكنية بأن يجعل الغيب كالمخزن المستوثق بالإغلاق فيضاف إليه ما هو من خواص المخزن المذكور ، وهو المفتاح وهو الاستعارة الترشيحية ، ويجوز أن يكون استعارة مصرحة بأن يجعل ما يتوصل به إلى معرفة الغيب للمخزون ، ويكون لفظ الغيب قرينة له ، والغيب ما غاب عن الخلق ، وسواء كان محصلاً في القلوب أو غير محصل ، ولا غيب عند الله عز وجل . وههنا أسئلة : الأول : أن الغيوب التي لا يعلمها إلا الله كثيرة ، ولا يعلم مبلغها إلا الله تعالى ، وقال الله تعالى : * ( وما يعلم جنود ربك إلاّ هو ) * ( المدثر : 13 ) . فما وجه التخصيص بالخمس ؟ وأجيب : بأوجه . . الأول : أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد ، والثاني : أن ذكر هذا العدد في مقابلة ما كان القوم يعتقدون أنهم يعرفون من الغيب هذه الخمس . والثالث : لأنهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس . والرابع : أن أمهات الأمور هذه ، لأنها إما أن تتعلق بالآخرة وهو علم الساعة ، وإما بالدنيا ، وذلك إما متعلق بالجماد أو بالحيوان . والثاني إما بحسب مبدأ وجوده أو بحسب معاده أو بحسب معاشه . السؤال الثاني : من أين يعلم منه علم الساعة ، وقد ذكر الله الخمسة حيث قال : * ( إن الله عنده علم الساعة ) * ( لقمان : 43 ) . وأجيب : بأن الأول من هذه إشارة إليه إذ يحتمل وقوع أشراط الساعة في الغد . السؤال الثالث : أنه قال في الموضعين نفس ، وفي ثلاثة مواضع : أحد وأجيب : بأن النفس هي الكاسبة وهي المائتة ، قال تعالى : * ( كل نفس بما كسبت رهينة ) * ( المدثر : 83 ) . وقال تعالى : * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) * ( الزمر : 24 ) . فلو قيل بدلها لفظ أحد ، فيها لاحتمل أن يفهم منه لا يعلم أحد ماذا تكسب نفسه أو بأي أرض تموت نفسه . فتفوت المبالغة المقصودة ، وهي : أن النفس لا تعرف حال نفسها لا حالاً ومآلاً وإذ لم يكن لها طريق إلى معرفتها فكان إلى عدم معرفة ما عداها أولى . السؤال الرابع : ما الفرق بين العلم والدراية ؟ وأجيب : بأن الدراية أخص لأنها علم باحتيال ، أي أنها لا تعرف وإن أعملت حيلها . السؤال الخامس : لم عدل عن لفظ : القرآن ، وهو يدري إلى لفظ : يعلم فيماذا تكسب غدا ؟ وأجيب : لإرادة زيادة المبالغة ، إذ نفي العام مستلزم لنفي الخاص بدون العكس ، فكأنه قال : لا تعلم أصلاً سواء احتالت أم لا . وقال ابن بطال : وهذا يبطل خرص المنجمين في تعاطيهم علم الغيب ، فمن ادعى علم ما أخبر الله ورسوله ، وأن الله منفرد بعلمه فقد كذب الله ورسوله ، وذلك كفر من قائله ، وقال الزجاج : من ادعى أنه يعلم شيئا من هذه الخمس فقد كفر بالقرآن العظيم . بسم الله الرحمن الرحيم 61 ( ( كِتَابُ الكُسُوفِ ) ) أي : هذه أبواب في بيان أمور الكسوف ، وفي بعض النسخ : كتاب الكسوف ، والكتاب يجمع الأبواب ، وأصله : من كسفت حاله أي : تغيرت ، وهو نقصان الضوء ، والأشهر في ألسن الفقهاء تخصيص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر ، وادعى الجوهري أنه الأفصح ، وقيل : هما يستعملان فيهما ، وبوب له البخاري بابا كما سيأتي . وقيل : الكسوف للقمر والخسوف للشمس ، وهو مردود . وقيل : الكسوف أوله ، والخسوف آخره ، وقال الليث بن سعد : الخسوف في الكل ، والكسوف في البعض . وقد مر الكلام فيه مستقصىً فيما تقدم . 1 ( ( بابُ الصَّلاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ) ) أي : هذا باب في بيان مشروعية صلاة كسوف الشمس ، والكلام فيه على أنواع : الأول : أنه لا خلاف في مشروعية صلاة الكسوف والخسوف ، وأصل مشروعيتها بالكتاب والسنة وإجماع الأمة . أما الكتاب فقوله تعالى : * ( وما نرسل بالآيات إلاّ تخويفا ) * ( الإسراء : 95 ) . والكسوف آية من آيات الله المخوفة ، والله تعالى يخوف عباده ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى طاعة الله التي فيها فوزهم . وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم شيئا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة ) . وأما الإجماع ، فإن الأمة قد اجتمعت عليها من غير إنكار أحد . الثاني : أن سبب مشروعيتها هو الكسوف ، فإنها تضاف إليه وتتكرر بتكرره . الثالث : أن شرط جوازها هو ما يشترط بسائر الصلوات . الرابع : أنها سنة وليست بواجبة ، وهو الأصح . وقال بعض مشايخنا : إنها واجبة للأمر بها . ونص في ( الأسرار ) على وجوبها ، وصرح أبو عوانة أيضا بوجوبها ، وعن مالك أنه : أجراها مجرى الجمعة ، وقيل : إنها فرض كفاية